القائمة الرئيسية

الصفحات

تقسيم العقود إلى إذنيّة وعهديّة - السيد منير الخباز

المباحث المرتبطة بكتاب الإجارة:

المبحث الثاني: في تقسيم العقد

وفيه مطالب:

تقسيم العقود إلى عهدية وإذنية

المطلب الأوّل: قسّم المحقّق النائيني قدّس سره العقود إلى عهديّة وإذنية:

فالعقود العهديّة ما تتضمّن حيثيّة الالتزام كما في البيع والإجارة والنكاح، فإنّ فيها التزاماً بشروط وأحكام معيّنة، فتسمّى عقوداً عهديّة.

والعقود الإذنيّة ما كان قوامها بالإذن والرضى لا أكثر، دون اشتمالها على حيثية الالتزام، ولذلك تزول بمجرد رفع اليد عن الإذن والرضى، ولا يتوقّف زوالها على قبول الآخر أو عدم ردّه.

أقسام العقد السيد منير الخباز

ومثّل لها المحقق النائيني قدّس سره بالعارية والوديعة، فإنّ المالك إذا أعار ملكه لشخص آخر فليست الإعارة إلّا إذناً بالتصرّف في ما أعاره لا أكثر من ذلك، ولذا تزول بالجنون أو الإغماء أو رفع اليد عن الإذن - بل بإبراز الندم - بلا حاجة إلى رضى الآخر أو قبوله.

وترتّب على ذلك أنّ العقود الإذنيّة في الواقع ليست عقوداً، وتسميتها بالعقود تسامحية، إذ أنّها لا تتوقف على إرادة الطرفين، ولا تتضمن التزاماً من أحد الطرفين للآخر كي يكون للآخر مطالبة الأول بالبقاء على التزامه، وإنما هي مجرد إذن يزول برفع اليد عنه، بينما العقد الحقيقي هو العهد المؤكد، ولا عهد في العقود الإذنية.

ويؤكد ذلك التفسير الوارد في صحيحة عبد الله بن سنان (المتضمنة لتفسير قوله عز وجل: (أوفوا بالعقود) قال: أوفوا بالعهود)، بناءً على وجودها في تفسير القمّي كما نقل عنه في تفسير البرهان ونور الثقلين، مؤيداً بنقلها في تفسير العياشي، ممّا يعني أن العقود هي العهود، فكل معاملة لا تشتمل على عهد فليست بعقد، وحيث إن الوديعة والعارية لا تشتمل على تعهد بشيء فهي ليست عقوداً حقيقة، وإنما يطلق عليها العقد اصطلاحاً لا أكثر من ذلك.

[المناقشة في تقسيم المحقّق النائيني للعقود]

ولكن يلاحظ على ما أفيد: أن العقود الإذنية وإن لم تكن متضمنة لعنصر التعهد والالتزام إلا أنها عقود حقيقة، والسر في ذلك أن المتولد عن إرادة الطرفين فيها علقة اعتبارية وهي علقة السلطنة، فلأجل تولد العلقة الاعتبارية المعينة منها نتيجة إرادة الطرفين فهي عقود حقيقة.

وتوضيح ذلك في مثالين:

1- العارية فإنها تتصور على نحوين:

النحو الأول: أن يكون مرجع العارية إلى تمليك الانتفاع، بمعنى أن المالك يملك المستعير الانتفاع بالعين ملكاً مجانياً بدون مقابل، فهي من جهة كالهبة المجانية، ومن جهة أخرى كالإجارة في الأعيان، إذ أنها كالهبة من حيث التمليك المجاني، غاية الأمر أن الهبة تمليك للعين والإعارة تمليك للانتفاع بالعين، وكالإجارة من حيث كون المملوك شأناً تابعاً للعين لا نفس العين.

إلا أن هناك فرقاً بين العارية وإجارة الأعيان من حيث إن إجارة الأعيان تمليك المنفعة، بينما العارية تمليك الانتفاع، وفرق بين تمليك المنفعة وتمليك الانتفاع، فصاحب الدار عندما يقوم بإجارة الدار فهو يملّك منفعتها، وثمرة تملك المنفعة أنه لو غصبها غاصب أو منع المستأجر عن استيفاء المنفعة ظالم ضمن له قيمة المنفعة، باعتبار أن المنفعة مال ينقل ويوهب ويورث، بينما تمليك الانتفاع وإن كان إيجاداً لحق في العين قابل للإسقاط إلا أن المنفعة لم تدخل في ملك المستعير، فلو غصب غاصب العين فهو لم يفوت مالاً على المستعير كي يكون ضامناً لقيمته وإن كان الغاصب آثماً.

النحو الثاني: أن يكون المنشأ في العارية من باب التسليط لا من باب التمليك، بمعنى أن المعير قد منح المستعير سلطنة على الانتفاع بالعين والتصرف فيها تصرفات حسية، ومع ذلك فإنها عقد وليست عهداً. أما أنها ليست عهداً فلأنه لا يوجد فيها تعهد والتزام بشيء، وأما أنها عقد فلتولد علقة اعتبارية بين المستعير والمعير، وهذه العلقة الاعتبارية هي السلطنة، أي صار له سلطنة على العين بمقتضى إنشاء العارية.

وهذا هو الفرق بين العارية والإباحة المجانية، فلو أن ولي الدار أباح لشخص أن يدخل فينام ويأكل فهذه ليست عارية بل هي إباحة مجانية، وهي إيقاع وليست عقداً لعدم تقومها بالطرفين، بينما العارية إنشاء سلطنة اعتبارية للمستعير على التصرف في العين، ولذلك يتوقف ثبوتها له على موقف من قبله وهو القبول أو عدم الرفض، وليست مجرد إذن يزول برفع اليد عنه كما يقول المحقق النائيني.

وأثر الفرق بين النحوين - بين كون العارية تمليكاً للانتفاع وكونها إنشاء سلطنة - بأن الجواز على النحو الأول حكمي، والجواز على النحو الثاني حقي، ومعنى ذلك - كما ذكر المحقق النائيني في الفرق بين الجواز الحكمي والجواز الحقي - أن العارية في فرض كونها من قبيل تمليك الانتفاع فرفع اليد عنها ليس من قبيل الحق، وإنما هو حكم شرعي مفاده أن العقد جائز وأن للمعير أن يفسخه متى شاء بحيث يكون فسخه رفعاً للعلقة.

وفي فرض كونها على النحو الثاني - وهي أنها إنشاء سلطنة للمستعير على العين - فقوام السلطنة حدوثاً وبقاءً بيد المعير، وبما أن السلطنة بيده فالجواز حقي، بحيث يكون رفع يد عن السلطنة دفعاً لوجودها لا رفعاً له.

2- الوكالة: ذكر المحقق النائيني قدس سره أن الوكالة قسمان: وكالة إذنية وأخرى عقدية، فالإذنية قوامها بالإذن في التصرف حدوثاً وبقاءً، ولذلك تبطل بمجرد عزل الموكل، بينما العقدية هي تسليط للغير على التصرف، وهي عقد متقوم بالطرفين، فلا تنفسخ ما لم يبلغ العزل للوكيل، وفي المنهاج للسيد الأستاذ مد ظله أن الوكالة تسليط الغير على معاملة من عقد أو إيقاع أو ما هو من شؤونهما كالقبض والإقباض. وتفترق عن الإذن المجرد الذي هو إنشاء ترخيص في عمل تكويني - كالأكل أو اعتباري كالبيع - في: توقف الوكالة على القبول دون الإذن ونفوذ تصرف الوكيل حتى مع حصول عزله عن الوكالة حين صدورها منه ما لم يبلغه العزل، وعدم نفوذ تصرف المأذون بمجرد رفع اليد الإذن، ولا يبعد بحسب المرتكزات العرفية أن الوكالة معاملة واحدة، وهي عقد فحواه إعطاء سلطنة للوكيل في تصرف اعتباري، فلا تنفسخ إلا بوصول العزل.

[ثمرة تقسيم العقود إلى إذنيّة وعهديّة]

ويترتب على تقسيم العقد للإذني والعهدي أمران:

أحدهما: في المقارنة بين المضاربة والمساقاة والمزارعة، فقد أفيد في كلمات غير واحد أن المزارعة والمساقاة نوعان:

1- المزارعة العقدية: وهي عبارة عن إنشاء سلطنة من قبل الطرفين المالك والمزارع على أن لكل منهما حقا في النماء بحصة معينة، وهي عقد لازم.

2- المزارعة الإذنية: وهي من قبيل الجعالة التي تعد من الإيقاعات، ومرجعها إلى طلب المالك من العامل الزرع على سبيل ضمان أجره مع تعيينه في حصة من الزرع أو الثمرة، وله رفع اليد عن ذلك.

وأما بالنسبة للمضاربة فقد أفاد سيدنا الخوئي قدس سره [في منهاج الصالحين ج2 ص124] أن المضاربة نوع واحد، وهي عبارة عن أن يدفع الإنسان مالاً إلى غيره ليتجر فيه على أن يكون الربح بينهما بالنصف أو الثلث، وهي عقد جائز من الطرفين.

بينما ظاهر عبارة السيد الأستاذ مد ظله [في المنهاج ج2 ص208] أن هناك نحوين من المضاربة، حيث ذكر في تعريف المضاربة ما ذكره سيدنا الخوئي قدس سره، ثم أفاد في مسألة (626): أن المضاربة الإذنية - وهي محل الكلام هنا - عقد جائز من الطرفين. ولعل نظره إلى جريان التقسيم المذكور في المزارعة في باب المضاربة، بمعنى أن المضاربة قد تكون ترخيصاً لا يتضمن حيثية التزام من قبل مالك المال، وإنما هي إذن للعامل في الاتجار به على أن يكون الربح بينهما. وقد تكون إنشاء سلطنة للعامل على الاتجار بالمال، ولأنها تتضمن إنشاء سلطنة فهي لازم بمقتضى القاعدة لو لا ما ادعي من الإجماع على جواز عقد المضاربة بتمام أنحائه.

الأمر الثاني: أن المحقق النائيني (قدس سره) [في منية الطالب ج1ص33] أفاد بأن العقود الإذنية - كالوكالة والوديعة والعارية - خارجةٌ عن الآية المباركة - وهي قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) [المائدة 1] - تخصصاً.

وبيان ذلك أن في تحليل مضمون الآية المباركة أموراً:

الأمر الأول: خروج العقود الإذنية - كالوكالة والوديعة والعارية - تخصصاً لا تخصيصاً، وذلك لأحد مناشئ:

 المنشأ الأول: أن العقد هو العهد المؤكد، وبما أن العقود الإذنية ليس فيها عهد؛ وإنما هي متقومةٌ بالإذن والرضا فقط، فهي خارجةٌ عن الآية موضوعاً، وإنما عبر عنها بالعقد باعتبار أنها متقومة بطرفين، وهما المعير والمستعير والمودع والمستودع والمُوَكِل والوكيل، ولذا اُطلق عليها عنوان العقد اصطلاحاً وإلا فليست عقداً.

المنشأ الثاني: لم يتعرض له المحقق النائيني قدس سره ولكن أفيد شرحاُ لمطلبه، وحاصله: أن قوله (عزّ وجل): (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)، أمر بالوفاء، ولا يحتمل الإلزام في العقود الإذنية؛ لكونها متقومة بالإذن والرضا، فلا معنى لإلزام المُودِع أو المُعير بأن يثبت على عاريته أو إيداعه بمقتضى (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)، مع أن قوام العقد بإذنه ورضاه، ولذلك لو قلنا بأن عنوان العقد قد يصدق عليها، لكن مناسبة الحكم للموضوع توجب خروجها عن الآية تخصصاً؛ إذ لا يحتمل وجوب الوفاء بها.

وهذه النكتة إنّما تتم بناء على أن مفاد الأمر بالوفاء حكم تكليفي، ولو بمقتضى قرينة السياق، حيث إن قوله (عزّ وجل): (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) [المائدة 1]، خطاب ل (الَّذِينَ آمَنُوا) وظاهره بمقتضى المناسبة أن كون المخاطب مؤمناً يستدعي وفاءه بالعقود المنسجم مع كون الأمر بالوفاء حكماً تكليفياً.

ولكن ذهب جمع منهم سيدنا الخوئي (قدس سره الشريف) في بعض كلماته إلى أن الأمر في الآية إرشاد إلى نفوذ العقد، وليس حكماً تكليفياً كي يستفاد منه خروج العقود الإذنية؛ لأنه لا يجب الوفاء بها، بل غاية مفاد (أَوْفُوا) الإرشاد إلى نفوذ العقد، ولا فرق في النفوذ بين العقود العهدية والعقود الإذنية.

المنشأ الثالث: لو سلمنا أن عنوان العقد يصدق على العقود الإذنية عرفاً، وسلمنا أن المحمول في الآية وهو قوله (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) ليس حكماً تكليفياً، 

لكن حيث ورد في رواية ابن سنان - بناءً على تمامية ما ورد في تفسير القمي من الروايات التامة سنداً في نفسها - عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ((أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) بالعهود)، فمقتضى ذلك خروج العقود الإذنية؛ لأن العقود الإذنية لا يوجد فيها تعهد ولا التزام، فمقتضى تفسير الآية بالرواية خروج العقود الإذنية عن مفاد الآية المباركة؛ لأن نظر الآية للعقود بمعنى العهود، لا بالمعنى الاصطلاحي، ولذلك تشمل الآية ما ليس عقداً اصطلاحياً كالنذر واليمين والعهد، فهي مع كونها من الإيقاعات اصطلاحاً إلا أنها داخلة ضمن الآية لكونها عقداً بمعنى العهد، وإن لم تكن عقداً بالمعنى الاصطلاحي، وهو ما ينشأ عن قرار من الطرفين، واحتمال أن قوله عليه السلام (بالعهود) من باب بيان المصداق الأجلى لا من باب التفسير خلاف ظاهر السياق.

الأمر الثاني: [منية الطالب ج2 ص2] أن اللزوم والجواز حقي وحكمي، وبيان ذلك: أن العقد على أقسام ثلاثة:

١- ما يقتضي اللزوم ذاتاً فاللزوم فيه حكمي، نحو عقد النكاح وعقد الضمان، وفي هذا العقد لا يعقل شرط الخيار ولا الفسخ - إلا في موارد منصوصة - ولا الإقالة لمنافاة ذلك لمقتضى العقد.

2- ما يقتضي الجواز فالجواز فيه حكمي، نحو الهبة ولذلك فشرط اللزوم فيه مناف لمقتضاه، إلا بحكم الشارع كما في الهبة لذي الرحم.

٣- ما لا يقتضي في ذاته اللزوم ولا الجواز كالبيع والإجارة فاللزوم والجواز فيه حقي - أي يتم ذلك ببناء من المتعاقدين - فإن البائع مثلاً إن أضاف لإنشاء تمليك العين للمشتري التزامه بما أنشأ وعدم رفع اليد عنه، فهذا يعني أنه كما قام بتمليك المشتري العين فإنه قام بتمليكه التزامه بالبيع أيضاً مما يعني اللزوم الحقي، وإن جعل لنفسه الخيار أو للمشتري الخيار فهذا يعني أنه لم يملك المشتري التزامه بالبيع وإن ملكه العين مما يساوق الجواز الحقي.

ونتيجة ذلك أن مفاد قوله تعالى: (أوفوا بالعقود) إمضاء المعاملة بيعاً أو إجارة على ما وقعت عليه من اللزوم الحقي.

الأمر الثالث: [ج1 ص110] أن المعاطاة خارجةٌ تخصصاً عن مفاد الآية المباركة وهي قوله تعالى: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)، والسر في خروج المعاطاة تخصصاً عن مفاد الآية أن المعاطاة فعل، كأن أعطى الكتاب وأخذ الثمن، أو سلّم الدار واستلم أُجرةً، والفعل لا دِلالة فيه على أكثر من الإباحة أو التمليك.

ولذلك فالمعاطاة في تبادل السلعة والثمن بيع وليست عقداً، والمعاطاة في تسليم الدار وأخذ الأجرة إجارة وليست عقداً، بل هي بيع جائز وإجارة جائزة.

والسر في ذلك: أن العقدية متقومة بالعهدية، والعهدية عبارة عن تضمن مدلول المعاملة للتعهد والالتزام، وبما أن الفعل المعاطاتي ليس فيه تعهد ولا التزام، بل غاية مدلوله الإباحة أو التمليك لا يكون عقداً وإن كان بيعاً أو إجارةً، من جهة أن دلالة المعاملة على العهدية والعقدية دلالة عرفية لا تتحقق إلا باللفظ أو ما يقوم مقام اللفظ كالكتابة والإشارة، وأما مجرد الفعل الخارجي فلا دلالة فيه على حيثية التعهد والالتزام كي تكون المعاطاة عقداً. كما أنها معاملة جائزة؛ لعدم دليل على لزومها، فإن الدليل على اللزوم إما البناء العقلائي - وهو دليل لبي - والقدر المتيقن منه لزوم المعاطاة في بعض الفروض لاكتنافها بقرائن اللزوم، وإما الآية، والآية ناظرة للعقود، والمفروض أن المعاطاة سواء كانت بيعاً أو إجارة فليست عقداً كي تكون مشمولة للآية المباركة.

فإن قلتَ: إن المعاطاة البيعية مفيدة للتمليك كما اعترفتم، أي أن تسليم البضاعة وتسلم الثمن يفيد التمليك، فإذا أفادت التمليك بالمدلول المطابقي أفادت التعهد والالتزام بالمدلول الالتزامي.

قلتُ: لا ملازمة بين التمليك سواء باللفظ أو الفعل والتعهد لا عقلاً ولا عرفاً؛ إذ ليس كل تمليك يقتضي التزاماً وتعهداً، ولذلك فإن البيع المعاطاتي والإجارة المعاطاتية مجرد إنشاء للتمليك، ولا ملازمة عقلاً ولا عرفاً بينه وبين الالتزام والتعهد بما أنشأ كي يقال بالدلالة الالتزامية، وإنما قلنا بثبوت التعهد والالتزام في العقود اللفظية لنكتة إثباتية، وهي أن ظاهر حال المتصدي للمعاملة بالإيجاب والقبول اللفظي أو الكتبي ونحوه أنه في مقام الالتزام والتعهد بمضمون المعاملة.

الأمر الرابع: إذا كان عنوان العقد متقوماً بالعهد والالتزام فقد يقال حتى البيع والإجارة اللفظيان لا يوجد فيهما تعهد ولا التزام، فأي فرق بينهما وبين المعاطاة؟ أي كما أن المبادلة المعاطاتية مجرد إنشاء للتمليك لذلك لم تعتبر عقداً، كذلك البيع والإجارة اللفظيان مجرد إنشاء للتمليك ولا يتضمن تعهداً ولا التزاماً، فكيف أطلق على البيع اللفظي عقد دون البيع المعاطاتي؟

أفاد المحقق قدس سره [في منية الطالب ج2 ص3] أن للبيع والإجارة اللفظيين مدلولين:

1- المدلول المطابقي، وهو إنشاء التمليك بعوض، سواء كان تمليكاً للعين كما في البيع، أو تمليكاً للمنفعة كما في الإجارة.

2- المدلول الالتزامي، هو الالتزام والتعهد بما أنشأ، وليس المقصود بالالتزام هنا الالتزام العملي بمعنى ترتيب الآثار فقط بل الالتزام العقدي، بمعنى أن لا يرفع يده عما أنشأ، فعندما يقول: (ملكتك منفعة الدار بأجرة) فمعنى (ملكتك) أنه أنشأ التمليك وفي ضمنه التزم بما أنشأ، بمعنى أن ما أنشأه وهو ملكية المنفعة لا يرفع اليد عنه بالفسخ، ولذلك فإن معنى قوله عز وجل: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) ليس الأمر بالوفاء العملي بمعنى ترتيب الآثار عملاً بأن تسلم العين ويستلم الثمن، بل الوفاء العقدي أيضا، بمعنى أن لا يرفع يده عما أنشأ لا بفسخ ولا إقالة.

والنتيجة: أن لنفس قوله: (بعت) و(آجرت) مدلولين: مطابقي بإنشاء التمليك، والتزامي بالالتزام والتعهد بما أنشأ. وصدق عنوان العقد على البيع والإجارة لا من جهة المدلول المطابقي، لأن المدلول المطابقي مشترك بين اللفظ والمعاطاة، والمفروض أن المعاطاة ليست عقداً، بل من جهة المدلول الالتزامي، فإنهما بالمدلول الالتزامي يعتبران تعهداً والتزاماً، ولذلك صدق عليهما عنوان العقد وشملهما (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ).

وهذه المطالب من المحقق النائيني قدس سره وقعت مورداً للإشكال، وهنا نتعرض إلى إيرادين أساسيين على كلام المحقق النائيني:

الإيراد الأول: أن ما ذكره قدس سره من خروج العقود الإذنية عن مفاد الآية تام - لو تمت رواية ابن سنان سنداً الواردة في تفسير العقود بالعهود - لأنها ليست عهوداً، وإلا فهي عقد حقيقة لا تسامحاً، لما سبق من أن العقد إنشاء علقة وضعية بالطرفين، وهذا يصدق على العقود الإذنية كما يصدق على العقود العهدية.

ولكن المناقشة معه في أمرين آخرين:

أولهما: دعوى تضمن العقود العهدية - كالبيع والإجارة - لمدلولين مطابقي والتزامي.

والثاني: دعوى أن المعاطاة ليست عقداً وإن كانت بيعاً وإجارة.

أما بالنسبة إلى المدعى الأول فقد يقال: بأن الوجدان العرفي والعقلائي قائم على أنه لا يستفاد من البيع والإجارة اللفظيين أكثر من إنشاء تمليك، فليس معنى (بعتك بكذا أو آجرتك الدار بكذا) أكثر من إنشاء تمليك العين أو المنفعة، أو المبادلة بين العين والمنفعة والثمن والأجرة. فدعوى أن البيع والإجارة متضمنان لمدلول التزامي أكثر من ذلك، وهو عبارة عن الالتزام والثبات والوقوف على ما أنشأ وعدم رفع اليد عنه، تحميلٌ للبيع والإجارة بما لا ظهور فيه لدى العرف والمرتكزات العقلائية، نعم إن لم يجعل المتعاقدان لهما الخيار ولم يكن موجب له شرعاً من غبن أو عيب أو تبعض الصفقة حكم الشارع باللزوم، فالحكم باللزوم والجواز حكم شرعي خارج عن إطار نفس مضمون المعاملة الذي لا يعني سوى التمليك بعوض.

ولكن بعض الأعلام رحمه الله [في كتابه مباحث عامة حول العقد ص21] دافع عن نظر المحقق النائيني قدس سره فقال: (إن المدلول الالتزامي في العقود العهدية يبتني على ملازمة نوعية - لا عقلية - وهي أن العقلاء عندما ينشئون التمليك ونحوه من المضامين المعاملية إنما يقصدون من وراء ذلك الالتزام بالوفاء والجري عليها، وليس مقصودهم مجرد جعل حكم وضعي محض، ولهذا تتشكل دلالة التزامية لإنشاء العقود لدى العقلاء على إنشاء التزام وتعهد بالوفاء للطرف المقابل).

وقال [في ص24] (إن المقصود هو أن العقود العهدية يكون المضمون المعاملي فيها متقوماً بالتعهد والالتزام، لأنه سنخ مضمون معاملي لا يتحقق إلا بالتعهد والالتزام)، (وإن شئت قلت إن الشارع والعقلاء يجعلون التمليك بعوض على المتعاقدين اللذين يلتزمان بذلك، فينتزع من ذلك بالتحليل عنوان التعهد والالتزام، وعنوان التمليك بعوض باعتباره متعلق التعهد والالتزام).

أي: كأنّ مقصود المحقق النائيني قدس سره من وجود المدلولين أن مدلول البيع التزام بالتمليك لا تمليك والتزام، بل هو منشأ واحد وليس منشأين، بمعنى أن مضمون البيع والإجارة الالتزام بالتمليك بعوض، فالمنشأ واحد وليس المنشأ أمرين كي يقال بأن الوجدان لا يرى من البيع والإجارة معنيين ومدلولين - مدلول مطابقي ومدلول التزامي -، بل هو منشأ واحد وهو الالتزام والتعهد بالتمليك، والبناء العقلائي في طول ذلك قائم على إلزام المتعاملين بما التزما، ومقتضى إلزامه بما التزم خروج العين عن ملكه ودخول الثمن في ملكه وأن لا حق له في الفسخ ورفع اليد عما أنشأ. نعم، ينتزع من ذلك عنوانان تمليك والتزام - وإلا ففي الواقع ليس هناك شيئان، بل هناك التزام بالتمليك بنى العقلاء على إنفاذه وإلزام ما التزم به.

والتحقيق في بيان مطلب المحقق النائيني (قدس سره) والتأمل فيه يقتضي التفصيل بين مقام الإثبات ومقام الثبوت.

فأما مقام الإثبات: أي تحديد مناط ظهور المعاملة في تضمنها للتعهد والالتزام، فبيانه: أن عدم إقرار العقلاء بالمُنشأ المعاملي إلا إذا كان متضمناً للتعهد والالتزام صار مَنشأً لظهور حال المتعاقدين في الالتزام بالمُنشأ من قبلهما، بمعنى أن اِلتفات المتعاقدين كالبائع والمشتري أو المُؤجِر والمستأجر إلى أن العقلاء لا يمضون لقلقة الاعتبار - وإن لم يكن ذلك الاعتبار متضمناً لتعهد والتزام من قبل المتعاملين - يقتضي عادة سير المتعاملين على وفق البناء العقلائي توصلا لتنفيذ المعاملة الصادرة عنهما، ونتيجة ذلك - في مقام الإثبات - أن ظاهر حالهما عند صدور المعاملة أنهما جريا وفق المرتكز العقلائي من الالتزام والتعهد بما أنشأ.

فعندما يقول البائعُ للمشتري: بعتك هذه السلعة بكذا، فظاهر حاله الالتزام بما أنشأ، لا أنه مجرد فرض واعتبار، ومَنشأ الظهور الحالي هو التفات المتعاملين إلى أن البناء العقلائي لا يقر المُنشأ، ولا يرتب الأثر عليه ما لم يكن متضمناً لحيثية التعهد والالتزام.

لكن هذا التحليل غير تام، والسر في ذلك: أن موضوع البناء العقلائي على إمضاء المعاملة، ليس هو تضمن المُنشأ المعاملي للالتزام والتعهد؛ بل موضوع الإمضاء هو صدور الاعتبار عن جدٍ مقابل الهزل والدواعي الأخرى، فلو قال: (بعتُ عن إرادة جدية) أو قال: (آجرتُ عن إرادة جدية) كان ذلك موضوعاً للإمضاء والإقرار.

وأما الكاشف عن ذلك إثباتاً فهو أصالة الجد، فكما أن الأصل المحاوري في الإخبار هو أصالة الضبط وعدم الكذب، فكذلك الأصل في كل إنشاء أو اعتبار صدوره عن جد لا هزل، ومقتضى أصالة الجد إقرار العقلاء وإمضاؤهم لما صدر منه.

وأما كون كل واحد من المتعاملين متعهداً وملتزماً بأن لا يرفع يده عن المعاملة بالفسخ، فهذا ليس دخيلاً في موضوع الإقرار والإمضاء، ولذا فإن البناء العقلائي يمضي المعاملة على طبق ما أراد المتعاملان من إيقاعها مشروطة بالخيار أو غير مشروطة به، وهو الحاكم بالجواز أو اللزوم في طول ذلك لا نفس المتعاملين.

وأما مقام الثبوت: أي حقيقة المنشأ العقدي وحدوده - تنقيحاً لمطلب المحقق النائيني (قدس سره) - من كون المُنشأ العقدي متضمناً للتعهد والالتزام.

فهنا عدة محتملات في تحليل كلام المحقق النائيني (قدس سره):

المحتمل الأول: ما ذكره بعض الأعلام (رحمه الله) [في كتابه مباحث عامة حول العقد، ص20]: (أن يكون العقد إنشاء لأمرين: تمليك والتزام، فكما أنشأ التمليك أنشأ الالتزام بالتمليك).

وأورد عليه: بأن هذا يستلزم اشتمال العقد على إنشاء للتمليك وإنشاء للالتزام، وهذا خلاف المرتكز العقلائي؛ من أن العقد لا يشتمل إلا على إنشاء واحد ومُنشأ واحد، لا أن هناك إنشاء للتمليك والالتزام؛ بل قد يقال إن ذلك ممتنع بعين نكتة امتناع استعمال اللفظ في أكثر من معنى، فإن النكتة هي أنه لا يعقل فناء اللفظ الواحد في استعمال واحد في معنيين مستقلين، وكذلك الحال في محل البحث، حيث لا يعقل فناء إنشاء واحد، في آنٍ واحد سواء أبرز باللفظ أم بالكتابة أو الإشارة في منشأين متغايرين.

المحتمل الثاني: أن المُنشأ واحد، إلا أن المُنشأ هو الالتزام بالتمليك، فليس المُنشأ هو التمليك، وليس المُنشأ هو الالتزام؛ بل المُنشأ هو المقيد وهو الالتزام بالتمليك.

وهذا ما أشكل عليه [في مباحث عامة حول العقد، ص19]: (أن الثابت فقهياً وعقلائياً أن الحاصل بالعقد هو التمليك، لا الالتزام بإيجاد التمليك)، فإنه متى تم عقد البيع أو عقد الإجارة فإن المتحقق في وعاء الاعتبار العقلائي هو تمليك العين أو تمليك المنفعة بعوض، لا أن الذي حصل هو الالتزام بالتمليك.

فهذا المحتمل كسابقه مناف للمرتكزات.

المحتمل الثالث: وهو ما يظهر من تقرير بحث المحقق النائيني (قدس سره) [في منية الطالب في شرح المكاسب ج2 ص3] [ج3 ص4، تحقيق مؤسسة النشر الإسلامي]، قال (قدس سره) - في ضمن الكلام -: (وتوضيح ذلك: أنّ ما ينشأ بالعقود إمّا مدلول مطابقيّ وإمّا التزاميّ.

أمّا المطابقيّ فهو في البيع نفس تبديل المال بالمال، الّذي يحصل بالمعاطاة أيضاً [أي كما يحصل باللفظ يحصل بالمعاطاة].

وأمّا الالتزاميّ فهو التعهد بما أنشأ [يعني أن ما أنشأه شيء والتعهد به شيء آخر، لا أنهما أمرٌ واحد] والالتزام به، وهذا هو العقد والعهد الموثّق، لا المعنى المطابقي [يعني أن المعنى المطابقي لا يكفي في كون المعاملة عقداً؛ وإنما يكفي في كونها بيعاً] الحاصل بالفعل أيضاً [أي بالمعاطاة]. ولذا قلنا في باب المعاطاة بأنّها بيع لا عقد، [لأنها لا تتضمن تعهداً والتزاماً، وإن تضمنت المبادلة بين مالٍ ومال]، وقلنا بأنّها تفيد الجواز، لعدم تحقّق ما يوجب اللزوم فيها).

ثم ذكر المَنشأ العقلائي الذي سبق ذكره في بيان مقام الإثبات.

إلى أن قال (قدس سره) [في ج3 ص5، تحقيق مؤسسة النشر الإسلامي]: (وبعبارة اُخرى في المعاوضات العقديّة مدلولان: المطابقيّ وهو بيع، والالتزاميّ وهو عقد. ووجوب الوفاء يناسب لحاظ العقديّة [يعني أن وجوب الوفاء بالبيع لا من حيث كونه بيعاً؛ بل من حيث كون عقداً، أي لا من حيث مدلوله المطابقي؛ بل من حيث مدلوله الالتزامي] كما هو صريح الآية [حيث إن موضوع الآية هو العقد: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)]).

فإذا كان اقتضاؤه اللزوم - من جهة إنشاء العاقد المدلول الالتزاميّ [وهذا يعني أن الالتزام يحتاج إلى إنشاء] والتزامه به - فلو ثبت الخيار في عقد بأحد الوجوه الثلاثة الآتية [خيار الغبن، أو خيار العيب، أو خيار تبعض الصفقة] فإنه يوجب تخصيص الآية الشريفة).

إلى أن قال: (وبعبارة اُخرى ثبوت الخيار لأحد معناه أنّ اختيار المدلول الالتزاميّ المُنشأ من المتعاقدين وضعاً ورفعاً بيد ذي الخيار، فله ردّ ما ألزمه على نفسه [أي يستطيع أن يرفع يده عن التعهد الذي تعهد به] من إنفاذ العقد [وهذا واضح الدلالة على المنشأ العقدي شيء، وإنفاذه بمعنى الالتزام به شيء آخر] فينحلّ العقد، وله إبقاء ما التزم به طرفه له فيستقرّ العقد).

وظاهر هذا الكلام أن هناك أمرين: مُنشأ معاملياً وهو التمليك، وتعهداً، وأن التعهد خاضعٌ لإنشاءٍ في حد ذاته، مضافاً إلى التمليك سواء كان تمليك العين كما في البيع أو تمليك المنفعة.

ويلاحظ على ما أفيد: أن الوجدان العرفي والعقلائي على خلاف التحليل المزبور، وبيان ذلك: بذكر عدة منبهات:

أحدها: أن مقتضى ما أفيد أنه حتى في البيع الجائز بحكم الشارع لأجل خيار المجلس، أو خيار الحيوان، أو الخيارات الأخرى مع التفات المتبايعين لذلك، يكون البيع متضمنا للالتزام والتعهد بعدم الفسخ، غايته أن استعمال الخيار من قبل من له الخيار رفع لما أنشأه من الالتزام، كما أنه في صورة جعل الخيار من قبلهما أو أحدهما فإن ذلك لا يعني انتفاء التعهد والالتزام بعدم الفسخ، وإنما يعني أن إعمال الخيار في ظرفه رفع لليد عن ما أنشأه من الالتزام على نفسه، وإلا لو لم يكن البيع ابتداءً مقروناً بالالتزام والتعهد لما كان عقداً، وكان لازم ذلك خروج المعاملات الخيارية بحكم الشارع عن كونها عقداً؛ لأن العقد إنما يثبت للمعاملة بلحاظ مدلولها الالتزامي، وهو إنشاء التعهد والثبات على ما أنشأ.

فحكم الشارع بأن العقد خياري كما في خيار المجلس أو خيار العيب أو الغبن، الذي ينكشف به أن البيع منذ ولادته لم يكن لازماً يعني أنه ليس عقداً، وحيث إن ذلك واضح الفساد تعين القول بأن كل بيع هو متضمن ابتداء للالتزام والتعهد وإن كان خيارياً، وهذا مما لا يساعد عليه الوجدان العقلائي في المعاملات الخيارية ومنها البيع، فإن الحاصل بإنشائه هو التمليك بعوض لا أكثر وهو موضوع لحكم الشارع أو العقلاء بالجواز لأجل ثبوت الخيار بأحد أسبابه، من دون اشتمال البيع على التزام معلق على عدم الفسخ باستعمال الخيار بنحو الشرط المتأخر، بحيث يكون استعمال الخيار كاشفا عن عدم انعقاده من أول الأمر، ولا على التزام منجز مشروط بقاء بعدم استعمال الخيار بنحو الشرط المقارن، بحيث يكون استعمال الخيار رفعاً للالتزام، بل ليس مضمون العقد إلا التمليك بعوض، غاية ما في الباب أنه موضوع لحكم الشارع أو العقلاء بالجواز، فإن مضى الوقت ولم يستعمل الخيار من له ذلك كان البيع موضوع لحكم الشارع أو العقلاء باللزوم، لا أن استعمال الخيار رافع لأحد المنشئين بالبيع وهو الالتزام بعد حدوثه.

وبعبارة أخرى: إن اِلتفات المتبايعين إلى جواز العقد ابتداءُ أو أن اشتراطهما للخيار لا ينسجم مع بنائهما على إنشاء الالتزام والتعهد بعدم الفسخ إلى حين أن يبدو لهما أو لأحدهما رفع اليد عن الالتزام والتعهد بالمنشأ المعاملي، وإنما البيع بحسب المرتكزات مُنشأ واحد وهو التمليك، وهو موضوع لحكم الشارع باللزوم، أو بالجواز لبعض الخصوصيات، وكلا الحكمين خارجٌ عن إطار المُنشأ وحريم المعاملة.

ثانيها: أن لازم ما أفيد دوران صدق العقد مدار مدلوله الالتزامي لا مدلوله المطابقي، أي أن حيثية العقدية صفة طارئة على البيع والإجارة مثلاً، لأنها إنما تكتسبها المعاملة من إنشاء الالتزام، لا أنها تثبت للمعاملة أولاً وبالذات، وبنفس الإنشاء، فلو فرض أن المتبايعين بالبيع اللفظي مثلاً لم يتكفلا بإنشاء الالتزام والتعهد فما حصل ليس بعقد وإن كان بيعاً.

وهذا أيضاً مصادمٌ للمرتكزات العقلائية؛ فإن بناءها على أنّ ما هو عقدٌ في حد نفسه وفي رتبة سابقة قد يكون موضوع للحكم باللزوم في حال عدم اشتراط الخيار من قبل أحد المتعاملين، وقد يكون موضوعاً للحكم بالجواز إن كان مشروطاً بالخيار مثلاً، لا أنّ ما هو معاملة إنما يتصف بالعقدية في طول التزام المتعاملين وتعهدهما بما أُنشئ.

والصحيح: أن حيثية العقدية ثابتة ابتداءً لكون المنشأ هو العلقة الوضعية الحاصلة بقرار الطرفين.

والمتحصل: أن ما ذكره المحقق النائيني (قدس سره) بحسب تقرير بحثه منافٍ للمرتكزات العقلائية من جهتين:

1- من جهة أنّ العقدية صفة طارئة على المعاملة تنشأ من المدلول الالتزامي.

2- من جهة أنّ استعمال الخيار رفعٌ لما هو المُنشأ العقدي وهو الالتزام.

[هذا وذكر سماحته وجوها أخرى لكلام المحقّق النائيني وأفاض في مناقشتها لم نذكرها هنا اختصاراً فللوقوف عليها يمكن مراجعة تقريرات أو تسجيلات دروسه في اجارة الدرس السابع وما بعده]

_______

ملاحظة: هذا البحث مستل من تقريرات بحث الخارج في الفقه لسماحة آية الله السيّد منير الخبّاز (حفظه الله تعالى) في النجف الأشرف، ببحث الإجارة الدروس: الدرس 2 – 6 ، بتاريخ: 25 – جمادى الآخرة - 5 رجب الأصبّ من سنة 1445هـ.

وكلّ العناوين التي بين معقوفين أضفناها لتسهيل مراجعة البحث، ولم يذكرها السيد حفظه الله في مجلس الدرس.

أنت الان في اول موضوع